حازم الزعبــــــي.. استدعاء الماضي بالألـــوان المعاصرة

يرُدّنا الفنان الأردني، حازم الزعبي، إلى عالم الحرف القديمة، من خلال الخزف الذي يستخدم مواده الأولية في فنه، فيطوعه لإنتاج اللوحات والكثير من المنحوتات التي تحمل جماليات لونية بمقدار ما تحمل من مدلولات ثقافية. ويعد الزعبي أحد أبرز الفنانين الذين يعملون في هذه الحرفة القديمة بأسلوب معاصر، فيعيدنا في معرضه الذي افتتح أخيرا في غاليري «فن آ بورتيه» في فندق كمبينسكي بدبي، إلى أصالة الزمن القديم والإرث الصحراوي، إذ تجمع أعماله الكثير من الموتيفات البدائية التي تعبر عن الحضارة الإسلامية على امتداد الأزمنة.

ويجمع الزعبي في معرضه، الذي حمل عنوان «أنشودة الطين»، مجموعة من الأعمال المتباينة بين اللوحات والمنحوتات والصحون المصنوعة من الزجاج والطين إلى جانب المنحوتات البرونزية. ويتعمد تقديم الخزف بشكل غير منفصل عن تاريخه، وإنما بأسلوب معاصر، مازجاً التقليدية بالحداثة. يستخدم الأحجار أساساً للعمل، ويضيف إليها الطين والزجاج، لتصبح اللوحة تجريدية المنحى وأصيلة الصيغة. اللافت في أعمال الزعبي أنها أعمال جادة في أصالتها، فهذه العودة إلى الماضي والارث الحضاري ليست عودة تلقائية أو بالمصادفة، بل إنها تأتي بشكل متعمد من فنان ينهل في الماضي. هذا البحث في الأزمنة الغابرة، يبعد أعمال الزعبي عن العبثية، لاسيما أنه يغني القطعة الفنية بالرموز، ويحمّل اللوحة الكثير من الثقافة، فهي ليست لوحة غنية باللون الممتع، بقدر ما تحمل من الثقافات والحضارات، إذ يتعمد إدخال الحروف واللغات. وتتجاور في أعماله الحروف العربية والآرامية التي تعد الأصل الأول للحرف العربي، فيأخذنا في رحلة تسلسلية للغة عبر الأزمنة، فنجد كتابات أخرى تشبه الهيروغليفية أو المسمارية، ما يجعل اللوحة مشبعة بإرث المنطقة. وعلى الرغم من وجود مسافات زمنية بين أصول الحروف التي يكتبها، إلا أنها تتجاور في المعرض بأسلوب محبب الى نفس المتلقي، فلا نستطيع أن نفصلها زمانياً عن بعضها بعضاً.

يحرك الزعبي في نفس المتلقي العودة إلى الماضي، فهو يدخل الذاكرة من بابها العريض، من خلال الإرث الصحراوي وتماثيله المستوحاة من تماثيل عين غزال التي يقدمها في هذا المعرض الذي يستمر حتى أول يونيو، التي تعد الأعمال الأولى التي تروي بدائية الإنسان التي قدمها بأشكال تحاكي الشكل الأصلي للتماثيل الموجودة في بعض المتاحف. نجد الزعبي شديد الانتماء الى ثقافته وبيئته، فهو يأخذ من كل ما يحيطه على امتداد الازمنة، كما أن مواده كلها تنتمي إلى البيئة والطبيعة، بدءاً من الطين ووصولاً إلى الزجاج أو حتى البرونز. ينقل الزعبي الخزف من طبيعته الأثرية الى أشكال جديدة، فيمنحها بعد اللوحة التشكيلية، بينما تطغى على أعماله بعض الألوان، منها الألوان الأساسية للزجاج، ومنها اللامعة أو حتى المطفأة، كالأخضر الداكن، أو البني، بينما تسيطر على التماثيل الألوان الزرقاء، أما المنحوتات البرونزية فكانت من نمط فني مغاير ومختلف عن الطين، وأبرز تطويعه للشكل بحسب المادة التي يعمل عليها.

وقال الزعبي لـ«الإمارات اليوم»، إن «المهارة لا تخلق فناناً، بل فلسفة الانسان وإيمانه هما اللذان يوجدان الفنان، فالإنسان يتكون من ثلاثة عناصر، هي، غاية وجوده، واستمرارية وجوده، وثالثاً تاريخه». ولفت الى أنه يعتمد على الإرث الديني بشكل أساسي في العمل الفني، وان اعتماده على البيئة، يجعله يحقق إنجازا فنيا وحضاريا، كونه يحمل استمرارية. ورأى أن الإيمان لدى الإنسان هو الذي يمكنه من إيجاد رسالة بناءة في المجتمع، فهو الذي يجعلنا نرى الطاقة الإيجابية في العمل، فالفنان ليس خارجاً عن الإطار، بل الفنان يكمل الإطار، وهو المرآة التي تعكس محيطه. واعتبر أن حضارة الشعوب تقاس بفنها والإنجاز الذي تقدمه، ولم يصلنا من الحضارات القديمة إلا فنونها، سواء العمارة أو الرسم أو الجداريات. وحول المواد الأساسية التي يستخدمها في أعماله، أكد انه يستخدم الطين والزجاج بشكل أساسي، فهي حرفة حولها إلى فن، مشيراً إلى أنه ليس حرفياً، بل يستخدم الحرف في إظهار فلسفته وفكره. ويؤمن الزعبي بكلية الكون، فهو يرى أنه لا يمكن أن ينفصل عن العالم، مشدداً على أن الأنا هي اختراع بشري هو متجرد منها.

وتعد التكلفة المتدنية للأعمال الخزفية الميزة الإيجابية الأساس التي تجعل الزعبي يتوجه إليها أكثر من البرونز، مشيراً إلى أنه يستطيع تنفيذ أي عمل بالبرونز أو الخزف، فشكل المنحوتة لا يتأثر بالمادة، لكن البرونز تكلفته عالية، إلا في بعض الحالات التي تكون هناك منحوتة تتطلب الكثير من التشكيل. ولفت إلى أن الأحجام الكبيرة من الخزف قد تتعرض للكسر في نقلها، لذا يتوجه إلى الخزف بأحجام متوسطة وصغيرة.

أما الخزف فهو مقياس للحضارات، فهي مادة تحافظ على وجودها في الطبيعة، ولها ديمومة عالية، باستثناء حالات تعرضها للكسر. ورأى أنه متفرد في عمله في الساحة الفنية، وأن عمله على مدى 30 عاماً مكّنه من تقديم إنجازات مهمة في مجاله. ورأى الفن وسيلته التعبيرية المباشرة، وهو جزء من حياته يستمتع به. ويعد هذا المعرض الذي افتتحه القنصل العام للاردن، صقر ابوشتال النعيمي، الثاني له في دبي، بعد مشاركته في معرض منذ 20 عاماً، مشيراً إلى أن الوطن العربي مساحة كبيرة مفتوحة، متمنياً استمرارية التواصل بين الأمة الواحدة التي تحمل الكثير من الاشياء المشتركة في ثقافتها.

فلسفة الإنسان

قال الفنان حازم الزعبي أن المهارة لا تخلق فناناً، بل فلسفة الإنسان وإيمانه هما اللذان يوجدان الفنان، فالإنسان يتكون من ثلاثة عناصر، هي: غاية وجوده، واستمرارية وجوده، وثالثاً تاريخه

ولفت الى أنه يعتمد على الإرث الديني بشكل أساسي في العمل الفني، وان اعتماده على البيئة، يجعله يحقق إنجازا فنيا وحضاريا، كونه يحمل استمرارية.

ورأى أن الإيمان لدى الإنسان هو الذي يمكنه من إيجاد رسالة بناءة في المجتمع، فهو الذي يجعلنا نرى الطاقة الإيجابية في العمل، فالفنان ليس خارجاً عن الإطار، بل الفنان يكمل الإطار، وهو المرآة التي تعكس محيطه. واعتبر أن حضارة الشعوب تقاس بفنها والإنجاز الذي تقدمه، ولم يصلنا من الحضارات القديمة إلا فنونها، سواء العمارة أو الرسم أو الجداريات.

المقال في الموقع الإلكتروني